المقريزي
210
درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( بيروت )
مملكته ، فنزل عليه شيخ نجيب وهو في ذلك فما زال به حتى قتله في ذي القعدة سنة ثمان مائة . وكان رحمه اللّه فقيها حنيفا ، فاضلا ، كريما ، جوادا ، قريبا من الناس شديد البأس ، أديبا ، شاعرا ، ظريفا ، لبيبا ، مقداما ، يحبّ العلم والعلماء ، ويدني إليه أهل الخير والفقراء . وكان دائما يتخذ يوم الخميس والجمعة والاثنين لأهل العلم خاصّة ، لا يدخل عليه سواهم ، وأقلع قبل موته وتاب ورجع إلى اللّه تعالى وأناب . ومن مصنّفاته كتاب « التّرجيح على التّلويح » ، وكان للأدب وأهله عنده سوق نافق ، فوفد إليه جماعة من الشّعراء ، واختصّ به كثير من الأدباء ، فبذل لهم الرّغائب ، ووهبهم الآلاف . وكان له نديم يعرف بعبد العزيز البغدادي ، له باع طويل في الأدب ، وطبقته عالية في النّظم والنّثر باللغتين العربية والفارسية ، استدعاه لمنادمته من بغداد ، وله عند السّلطان غياث الدّين أحمد بن أويس مكانة مكينة ، فما زال يعمل الحيلة حتى خلص منه ، وخرج مختفيا من بغداد حتى قدم سيواس ، فبالغ القاضي برهان الدين في إكرامه ، ووسّع عليه في مواهبه وحبائه ، وما زال من أجلّ جلسائه وأخصّ ندمائه حتى قتل . وقد صنّف له سيرة في أربع مجلّدات على أسلوب العتبي في ترجمة السّلطان محمود بن سبكتكين لم أقف عليها « 1 » وبلغني أنها ببلاد قرمان ، فلما قتل القاضي برهان الدين سار عبد العزيز إلى القاهرة فاستوطنها حتى تردّى من سطح دار وهو غير واع فمات . وكان قرايلوك بعد قتله القاضي برهان الدين قد ركب لأخذ سيواس ، فقاتله أهلها أشدّ قتال ومنعوه منها ، فمضى إلى تيمورلنك وهو نازل على أذربيجان وحرّضه على أخذ سيواس ، وكان أهلها قد بعثوا إلى أبي يزيد إيلدريم بن عثمان صاحب برصا يرغبون إليه في الاستيلاء عليهم ، فسار سريعا على عسكر عظيم حتى ملك سيواس واستخلف
--> ( 1 ) طبع كتاب العتبي بشرح المنيني ، وهو كتاب في تاريخ السلطان يمين الدولة محمود بن سبكتكين كتب بأسلوب أدبي أغرقه بأنواع السجع والبديع والجناس .